عندما كنت صغيرًا
اتسمت منذ نعومة أظافري بالشقاوة، كانت عماتي يطلقن عليّ لقب (الشيخ نبوي) -وليس لديّ أي فكرة لِمَ قد يُطلق هذا الاسم على طفلٍ صغير - أجري في ساحات المنزل ليلًا نهارًا دون توقف… أدركوا جيدًا أنني لن أكون كحالهم، صامتًا هادئًا باردًا برودة تفوق جبال الاسكا، فقط ورثت شيئًا واحدًا…اسمهم.
في أحد المرات كنت ألعب الكرة في الشارع وأذكر هذه المرة تحديدًا، ألعب لساعات مستغلًا غياب والدي -القادر على ترويضي- حتى لمحته قادمًا من بعيد اختبأت في إحدى الحارات الصغرى وما لبثت دقائق حتى قدمت سيارة من بعيد فنظرت لصديقي وقلت له سأضع الكرة هنا وقبل أن تصل السيارة سوف أنقض عليها مثل "عصام الحضري" وبالفعل قد فعلت وكسبت الرهان، ثوانٍ ووجدت نساء شارعنا تولول والدماء تغطي عيني، صعدت للمنزل وجدت أبي قد لطم بيديه على جبهته وعمتي تصيح "يلهوي…دة كله عشان مش بيبطل شقاوة…يلهوي"
دائمًا ما كان والدي يُقص علينا حكاوي التاريخ تحديدًا هتلر واليهود
وما فعله بهم، وبسبب كرهه الشديد لهم، وُلد بداخلي نفس الشعور، لذا قررت أنا وأخي
ابتياع علبة كبريت كبيرة -لم تعد تُصنع اليوم- كان يبلغ ثمنها نصف جنيهٍ…ذو قيمة
كبيرة وقتها حتى أننا قضينا أسبوعًا نجمع قروشنا معًا، ثم ذهبنا لمكان يُسمى
"السويقة" وبجوار كشكٍ قد بناه جدي لابن عمه يوجد صندوقًا للقمامة،
قررنا أن نبعث هتلر من جديد، دقائق وكانت "السويقة" هي
"هولوكوست" العصر الحديث، النيران تضطرم وتأكل ما يحيط بها، النار تندلع
بالكوخ، ها نحن ذا "هتلر" ومعاونه، عدت إلى منزلي تاركًا ورائي "هولوكوست"…هتلر
العائلة الذي حرق اليهود عائدًا لمنزله متبخترًا متخيلًا الناس يصفقون وينادون
"يعيش هتلر حارق اليهود…يعيش"…أقول في نفسي ليت أبي كان هنا، يرى ولده
قد أبادهم عن بكرة أبيهم، ويقف كأي والدٍ يفخر بولده ويصفق له ويقول بنظرة فخر "حرق
ابني اليهود" والمثير للضحك أن جذور عائلتي ترجع لأصلٍ يهودي…وقبل أن أقص
لجدتي انتصار حفيدها على أجداده، كانت أمي تنتظرني ممسكة بحذائها وتضربني به وهي تصيح
"فاكر نفسك مين يا روح أمك…هتلر؟"
صعدت ذات ليلة إلى سطح منزلنا في العيد، أصوب مسدسًا محشوًا بالخرز تجاه أدمغة الناس، وأهبط مختبئًا بالحائط وأنا أغني "أحلف بسماها وبترابها…أحلف بالقمح والمدفع" ظللت على هذه الحال ساعة كاملة، أصوب تجاه رؤوس الناس، حتى رأيت أبي، كانت الصورة حينها أن هذا الوحش -أبي- استولى على أمي واحتفظ بي من أجل تعذيبي، يحول بيني وبين رغباتي، يقف دائمًا أمام طموحاتي في أن أكون سريعًا مثل (سونيك) أو أقفز "كسوبر مان" الرجل الخارق، لدرجة أني ظننت أن يدي لا تستطيع أن تنسج شباكًا مثل الرجل العنكبوت لأنها ترتعش لرؤية والدي، لذا قررت أن أوجه الطلقة تجاه رأسه الصلعاء وأنا أتمتم "بسم الله" وقد نجحت وشعرت بنشوة الانتصار، الآن لا يوجد شيئًا يستطيع مواجهتي، دقائق مرت وأنا أمسك بسلاحي كالجنود، أخطو خطواتهم فوق سطح منزلنا، وأغني نفس الأغنية حتى سُحبت مرة واحدة من طوق القميص…وعينك ما تشوف إلا النور.
إذا سألتني في صغري "ماذا تمنيت إذا كبرت" لن أجاوب الرد المعتاد "أحلم أن أكون مهندسًا أو طبيبًا" قطعًا كنت سأجيب: أريد أن أزور الفضاء، أهبط سطح القمر، وأتأمل مما تتكون الشمس، أنظر خلفي أجد سطح المريخ يطفو أمامي، وأري المذنبات تسبح في الفضاء، ثم أقفز من سطح القمر بحبلٍ مثبت وأغوص إلى جوار سرير أمي حاملًا أحجار قمرية أهديها قائلًا "من عينيك صُنع هذا".
هناك مسجد يبعد خطوات قليلة جدًا عن منزلنا، اتفقت أمي مع الشيخ على
أن يحفظني القرآن، في أول يومٍ لي ذهبت باكرًا لأثبت للشيخ مدى براعتي وعزمي،
وبينما أنا أدخل منعني شابٌ في العشرينات من عمره، ونهرني بشدة حتى أنني بكيت،
وهنا تلاشت كل نوايا العزم والجد، واستُبدلت بأفكار الانتقام، جلست أنا والأطفال
أصحابي نخطط كيف ننتقم من هذا وحش بوابة المسجد، أحدهم يقترح أن نتجمع جميعًا
ونقوم بعضِه والآخر يعارضه "لا يا عثل، هنوقع ثنانا" فاجأني أحدهم بفكرة
جهنمية "تعالوا نثرق الثبثب" هكذا الانتقام، لن يجد ما يعود به لمنزله
وأقصى شيء يفعله هو استعارة أحد أحذية الحمامات، وأما عن مستقبل الحذاء فبعد عشرين
عام من لحظتها يمكن أن يرتديه أحدٌ منا، وقد كان…خُفي الحذاء أسفل أريكة منزلنا
بما أني أكبرهم سنًا….فتح الشاب الباب ودخل الشيخ ومعه أنا والأطفال…لم يجد الشاب
حذائه، من منكم أخذه؟ يسألنا الشيخ…وجميعهم في نفس الآونة يشيرون تجاهي
"هو"…نُهرت مرة أخرى من قبل الشيخ فغيرت مكان الحذاء وطُردت.
الآن
كبرت، احتفظت بشقاوتي وأصبحت جزءً مني، لا يتقبلها أحد وازدادت ما تجلبه من متاعب،
نُسي لقب (الشيخ نبوي) لكني لم أنسه، تركت الكرة ندبتها على حاجبي كلما
رأيت تذكرت، اختفى الكوخ لم يعد موجودًا، ولم يعد العيد عيدًا كما كان، وكبر أبي
وأصبح غير قادرًا على الزعيق حتى! لم أزر الفضاء قط وسُحلت في مذاكرة الطب عوضًا
عن ذلك، والشاب الذي زجرني مات، والشيخ هو من صلى عليه، وبقيت أنا والحذاء نبكي، وكبرت
كثيرًا ولكن الذكريات كلها مازالت بداخلي طفلة.

تعليقات
إرسال تعليق