أبجدية الياسمين


    يقولون إذا أهديت فتاة زهرة ياسمين لفتى فتعني "لا تحب بعدي أبدًا"       

    في قديم الزمان عاشت صبية عربية حسناء في الصحراء، قالوا عنها أجمل فتاة وُجدت في الصحراء، تغطي شعرها ووجها بخمارٍ شفاف، وفي يومٍ -وبالطبع كعادة كل الاساطير التي ستبدأ بظهور الأمير المغرم الذي سوف يشقى بها أو يخالف الواقع ويهنأ بها ومن ثم يقتلها أحد أعدائه فيصبح مكبًا على وجهه وينتكص على عقبيه لفراقها وتخر قواه- ظهر الأمير أخيرًا وتزوجها.  

  عاشت في قصره الضخم حتى ضجرت وهي التي عاشت عمرها كله في الصحاري، فهربت...وبجوار أحد الواحات الخضراء خلعت خمارها ورفعت يديها وتحولت رويدًا رويدًا إلى زهرة الياسمين المتعارف عليها، ويقال هذا تفسير كونها زهرة تحب الشمس.

  أما عن اسمها فقالوا أن سوار فراعين مصر كان يُزين بطوق من الزهرة سموه (يآسمين) ومنها اشتق الاسم بالعربية والانجليزية معًا،  وفي أراضي الشام أحبوه كثيرًا حتى أنه استوطن الحارات والشرفات والطرقات فأصبح الشام برائحة الياسمين، وبذكر الشام يُذكر "نزار قباني" شاعر الياسمين.

    في أحد الأيام كنا نقضي إجازة الصيف أنا ووالدي، وكنا جالسين في حديقة (الشاليه) وروائح الياسمين تحيط بالمكان ولا أخفي عليكم أستطيع تميزها بسهولة لأننا نزرعه بالفعل في حديقة المنزل وشرفاته، وإذا بأبي يستنشقه بشدة قائلًا (ااااه ريحة الياسمين جميلة) فلم أجيبه بصراحة، وجدته يفتعل معي حديثًا أدبيًا -كعادتنا- ويقول:-

- تعرف إن نزار قباني بيحب الياسمين جدًا  

للأمانة تعجبت، لم أعلم قط أن والدي قد قرأ شيئًا للشاعر نزار القباني، والآن أجده يعلم عن تأثره بأزهار الشام وورودها!…قلت له      

-أيوة عارف...فأجاب

- أخر ديوان كتبه نزار مُسماه "أبجدية الياسمن" 

     حسنًا يا الهي، والديّ الذي لم أعهده عالمًا به قط يخبرني شيئًا لا أعلمه عن شاعري المفضل! كيف لم أسمع بهذا من قبل، حملتها في نفسي وقررت أن اقرأ له هذا الديوان، ثم بواسطة بحث صغير وجدت أنه كتبه وهو مريض في المستشفى ب(لندن) في أخر أيامه حتى أنه قد كتب بعض منها على شُنط الأدوية إلا أن السؤال الذي طاردني طوال الشهر الماضي لماذا اختار اسم (أبجدية الياسمين) 

   في مدلولات الأزهار حكاية خاصة لكل واحدة منها، ومعنى معروف عنها، فمثلًا ( البنفسج) زهر حزين، و(البيرو) زهر الصداقة، (أمارس) للحب، ( النعمان) لليأس، والزنبقة للزواج، أما (الياسمين) فاختلفوا فيه إلا أنه بطبيعة الحال قنوع، قليل من الاعتناء يكفيه، قليل من السماد يكفيه، قليل من الماء أيضًا يكفيه، قوي وواثق لكنه رقيق إذ تترتب أوراقه البيضاء في تجانسٍ عذب وإن كتب لأوراقه الذبول نُسق شكلا بمسمى "المشموم".

  لكن ظل السؤال يروادني ما علاقة الزهر بمسمى الديوان، أعلم أن "نزار" أحب الياسمين وشاعره لكن راودني إحساس أنه أراد توصيل معنى
"أخر، وكانت الإجابة في قصيدة (شكرًا لطوق الياسمين) التي كتبها عام 1950 وغنتها فيما بعد "ماجدة الروميّ

 شكرًا لطوق الياسمين
وظننت أنك تعرفين
معنى سوار الياسمين
يأتي به رجل إليك
!فظننت أنك تعرفين

    عند (نزار) صفة أخرى للياسمين وهي "الوفاء" ويتضح قصدي في استخدام (ظننت أنك تعرفين) أي تعرفين معنى إهداء الياسمين كدلالة على وفائي في حبك، (يأتي به رجلٌ إليك) أي قد أتيت إليك أهديك إياه كدلالة على الوفاء التام، (فظننت أنك تعلمين) أي قد اعتقدت أنك تدركين صفاته كما أدركتها أنا منذ نعومة أظافره، إذ كبرت بسرعة وتعرشت على جدران الحواري وأزقة الشام.

   أما عن اختياره (أبجدية الياسمين) كعنوانٍ لقصيدته الاخيرة، فيرجع الأمر إنه ودع الشعر وداعًا أبديًا، فيتحدث بأبجدية الياسمين ومدلول صفاته، فبه تحرر وبه رق قلبه وقدس الحب كمعنى وصفة، وبه اقتنع واكتفى، وبه زهو ولما ذبل عوده نُسق شذى بين صفحات الدهر كباقة المشموم…والأهم به وله وَفى. 

    في أحد الأمسيات سأجلس في ركنٍ في مطعمٍ على منضدة بغطاء أبيض حُجز خصيصًا لأجل هذه الليلة، ربما حينها سأرتدي قبعة رأسٍ كهذه التي يرتدوها رجال العصابات في الأفلام- في الحقيقة يبدون جذابين جدًا- وأضع قدمًا على قدمٍ، وأنتظر.

  ربما سأدخن -وقتها فقط- سيجارًا فاخرًا وسأفشل بالطبع لأنني لم أدخن ولو لمرة واحدة في حياتي، وسأضع على المنضدة بعض أزهار الياسمين، والموسيقى الفرنسية تحاول قي الخلفية تهيئة جوًا رومانسيًا ولكنها توتر أعصابي أكثر من كونها متوترة......ومن ثم بووووووم...ظهرت...أراها من بعيد كغصنٍ مياد القد، تقصدني بمشيتها الوئيدة.

  أعتقد أنها ترتدي فستانًا...يا الهي لا أستطيع تمييز لونه، يالسخفاتي نسيت نظراتي في المنزل من فرط التوتروالعجلة...تتضح الملامح قليلًا...تتقدم برقة نحوي...أهرول مسرعًا...أحاول سحب الكرسي لتجلس لكي أبدو (جنتلمان) مُحنكًا...وأوووف... ركبتاي المسكينتان…لقد وقعت...ماذا أفعل الآن...أنظر فوقي لها بوجه محمر...تبتستم...أضحك كالأبله…فشلت، لكن الأمور تمشي جيدًا.

  ماذا نسيت؟ ماذا نسيت؟ نعم صحيح، قالت لي أمي يجب أن تسألها أولاً بابتسامة رجل واثق (ماذا تودي أن تشربين؟)...أحم أحم...ماذا أفعل؟...نسيت للتو ماذا قالت أمي...أوف...هيا أيها الشاب الخرف تذكر، لقد كنت ترددها بباطنك للتو، هذه مشكلة أن تكون شاب وتخجل!!كما قالت جدتي ( الخشى في الرجال يأتي بالفقر).

  ليس هذا وقتًا لتذكر أحاديث الجدات، السيجار يسقط من يداي...سأقفز التقطه...لا لا لا تفعل...نعم عرفت ما أفعل سأستعير من (نزار) أبجدية الياسمين...أمسك بمجموعة الأزهار التي أحضرتُها وأهديها إياها (لا تحبين بعدي أبدًا)...ها هي تبتسم.

  لماذا لا تظهر أسنانك؟!...لماذا لا تميل برأسها على كتفها...سحقًا للغة الجسد واللعنة على من علمني إياها...ها هي تتحرك...تلتقط سوارًا من حقيبتها...تتقدم بيدها نحوي ممسكة إياه تحاول كتمان ابتسامتها...إنه سوار الياسمين وتقول ( ظننت أنك تعرف معنى سوار الياسمين) 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا أنت جاد هكذا؟

أنا الأفق