تقول لي...
تقول لي :- " إنها تحبني بشدة، تحبني من أعماق قلبها حبًا جامًا، لا أعلم لما تفعل ذلك ولما تخبرني بمثل هذه الكلمات، أتفهم تمامًا أن الفتيات ربما يظهرن خلاف ما في أعماقهن، لكنها المرة الأولى التي تخبرني فيها أن نبتعد وللأبد".
مبني المدرجات بالقصر العيني، في الدور الثاني، أجلس في زاوية ضئيلة مَطوية، يحدُني من وراء ملعب الكرة، يختلط حماسهم بضحكات الشبان اللاعبين على طاولات (تنس الطاولة)، وتخترقهما أصوات عمال البناء في مبنى الوظائف الحيوية
ملقيٌّ أمامي كتابيّ مادة الأطفال، أحملق بهما، وأنا أتناول البطاطا المهروسة بالعسل، أفكر، إن كل شيء في هذه الحياة يستمر إن كان فقط متبادل…أؤمن تمامًا بأن ( ربان السفينة يغرقانها) لكن دائمًا ما كنت أقول : رب واحد ربما لا يغرقها لكنه أيضًا لا يقدمها قيد أنملة، الجميع معًا يحركانها للأمام، لا فائدة للرب بدون طاقم، وكذلك الحياة وكذلك العلاقات وكذلك الحب
تقول لي:- إن الفقراء المثقفين أمثالك يكتسبون معرفتهم من الكتب، بينما الأغنياء يكتسبونها من التجربة والخطأ، ربما هذا يشكل فارق بينكم
لقد كُتب على الفقراء الحكم الظاهري في كل أحوالهم، لقى الفقراء في كبد عيشتهم ما لم يلقه الأغنياء في ترف مشاكلهم! إن الأغنياء ربما يتعلمون، أذكياء، لكن تبخيس المعدوم حقوقه أقسى عليه مما يراه ومن قساوة وحدته، ربما كونه فقيرًا أكثر ذكائًا من الأغنياء، يصارع الحياة فتطرحه أرضًا، قبيل أن يقف صلبًا شامخًا، ومن بعد يكون قادرًا على تدوين أوجاعه، ونسجها نسيجًا من ألم صافيّا، يحكي أن من رحم الفقر يُولد أشداء مثقفون
تقول لي:- لم أعهدك هكذا من قبل، في السابق كنت أكثر عقلانية، وأقل عصبية، وذو حكمة ورأي وطول بالٍ، ولست سفيهًا يتململ سريعًا
إن الخافي كان عظيمًا، لا يبقى شيئٌ على حاله طويلًا، كذلك الأشخاص، لا يدري أحد عما أصاب غيره وما بلاه، بل أحيانًا لا يدري الشخص ما أصابه، إن الحياة لأكثر فتكًا بهؤلاء الأنقياء الذين ودوا أن يستقبلوها بقلب طفلٍ سعيد مَرِح، ففاجئته، فتحولت أوجاعه مزيجًا غريبًا بين ابتسامات بلهاء، عصبية مُفرطة، تململًا واضحًا، وبكاءً ليلًا على فراش النوم…إن العقل المصارع لحروب بداخله يفقد السيطرة أحيانًا فلا يتحكم الشخص بنفسه ولا يعود كما كان، لا تلوم أحدًا لكونك غير عالم بندباته، وصراعاته، وحزنه
تقولين لي:- لا يستطيع أحد أن يتمالك مشاعره، لا يتحكم بها، لا قدرة ولا سلطان له عليها، فلا تقدر أن تلومه، لكنه يجب على الأقل أن لا يدعها تنفجر
إن الإنسان خلق هلوعًا ضعيفًا، يتمسك بأيّةِ ذرة تبقيه حيًا، أو تشعره بوجوده، وبكونه مرغوبًا، سحر الحياة عجيب، يوهمك في لحظات بكونك هنا حي تنطلق تسعى بين جموع البشر، وأحيانًا بكونك تعارك ما يموج في عقلك، وما ينوح في قلبك، إن الزمان على اختلاف ألوانه وقصصه لا يرحم إلا الأقوياء، حتى الأقوياء أنفسهم يحبون ويضعفون، لن تنفجر يومًا إلا إذا امتلأت عن أخرك…أو ضعفت فاستسلمت
مبني المدرجات بالقصر العيني، في الدور الثاني، أجلس في زاوية ضئيلة مَطوية، يلكز قلبي صوت ( فيروز) القادم من بعيد ( بحكي عنك يا حبيبي لأهالي الحي، تحكي عني يا حبيبي لنبعة المي)…أنظر جانبي، في مقعد منطوي يجلس حبيبان يدندنان معًا، يتمايلان برأسيهما، لا تتلاقى أعينهم، بل أرواحهم، ينفصلان بجسديهما عن واقعنا…أحد الأيام سيكون بسيطًا هكذا، أجلس أنا وأنتِ، أتكئ برأسي على يديّ، أتأملُ عينيكِ، متناسيًا البطاطا، أود أن أقضى عمري كله جالسًا أمامكِ لا يفصلنا سوى الموت
كنت بالأمس وحيدًا في هذا العالم يا حبيبتي، وكانت الوحدة قاسية كالموت، وكنت مفردًا كالزهرة النابتة في ظل الصخور المتعالية فلا تشعر الحياة بوجودي، ولا أنا أشعر بكيان الحياة، واليوم أود أن تستيقظ نفسي وتراكِ منتصبة بقربها، ومن ثم تهاب وتتهلل، كان كل الزمان ليلًا يا حبيبتي، فصار فجرًا، وسيصير نهارًا، وستكون حياتي الحزينة فرحًا وغبطة

تعليقات
إرسال تعليق